الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

الخوف المزمن من مصر

د.نوار ملحم

رغم مضي أربعين عاماً على توقيع معاهدة “السّلام” المصرية – “الإسرائيلية”، لا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية مطمئنة بشكل تام لمستقبل تلك المعاهدة، حيث يعمد باحثوها من فترة لأخرى إلى التطرق نحو هذا الموضوع ووضع التحذيرات والتوصيات التي تضمن تدعيم هذه الاتفاقية واستمرارها لأطول فترة ممكنة، وبنظرة واسعة يحاول أولئك الباحثون الإضاءة على بعض جوانب التغييرات في السياسة الخارجية المصرية من وجهة نظرهم كالتقارب مع روسيا على سبيل المثال، أو محاولات تطبيع العلاقات المصرية – الإيرانية، ويعتبرون أن مثل تلك الخطوات يمكن أن تؤدي في النهاية إلى التأثير على الوضع الإقليمي لمصر ككل وربما على حيثيات معاهدة السلام بين مصر و”إسرائيل” بشكل خاص.

في الإطار السابق يمكن ذكر بعض الحقائق التي تجعل من التّحذيرات الأمريكية تتسم بالواقعية إلى حد ما :

  • على الصعيد الداخلي :


  • لم يشارك أي مسؤول مصري أو حتى من المواطنين العاديين في الاحتفالات التي أُقِيمَت مؤخراً بتاريخ 26 مارس/ آذار المصادف للذكرى السنوية لتوقيع معاهدة “السلام” بين مصر و “إسرائيل”، كما أن وسائل الإعلام المصرية لم تبدِ اهتماماً كبيراً بهذه المناسبة.
  • هناك انطباع عام لدى المسؤولين والباحثين الأميركيين و”الإسرائيليين”، أن معاهدة “السلام” السابقة ظلت اتفاقية بين حكومتين وليس بين شعبين وأنها تحمل الطابع “الوقائي” كونها تخلو من عنصر الثقة.
  • يوجد شكوك مصرية حول تورط الموساد “الإسرائيلي” بالقيام بنشاطات مشبوهة مع تنظيم داعش تساهم في زعزعة الاستقرار في سيناء، وبالتالي يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي المصري.
  • مازالت مصر ورغم علاقاتها الاستراتيجية الحالية مع الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بقدر من الاستقلالية في الشؤون السيادية، إذ لا يوجد للجيش الأمريكي أية قواعد عسكرية في مصر بخلاف الوضع في السعودية على سبيل المثال.
  • حتى الآن الجيش المصري لا يستخدم تسمية “قيادة الجيش الميداني الأول” في وحداته، كونه لا يزال يعتبر أن الجيش السوري هو الذي يشكل تلك القيادة، كما أن هناك تباينات في الموقف الاستراتيجي من “إسرائيل” بين صفوف وضباط هذا الجيش.
  • رغم أن مصر هي أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان إلا أن قدرة التنظيمات الجهادية على التجنيد في صفوف الشعب المصري بقيت في حدودها الدنيا.
  • يدرك المسؤولون الأميركيون و”الإسرائيليون” على حدّ سواء، أن الأزمة المالية المصرية الحالية لا تشكل  ضمانةً مستدامة لاستمرار معاهدة “السلام” من منظور استراتيجي.


  • على الصعيدين الإقليمي والدولي :



  • هناك تقارب مصري – روسي يتعلق بالأهداف المشتركة في محاربة الإرهاب، ومجالات الطاقة .
  • رفضت مصر إرسال وحدات برية من الجيش المصري للقتال إلى جانب السعودية في اليمن رغم حاجة السعودية لمثل تلك الوحدات بالنظر إلى أن مصر تملك أقوى جيش بين الدول العربية.
  • أوعز المسؤولون المصريون بشكلٍ واضح إلى الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين الأمريكيين إلى أن احتمال انهيار الدولة السورية أو انتصار الجماعات المتشددة فيها هما نتيجتان يجب تجنبهما مهما كان الثمن.
  • ربما يؤدي الوضع الإقليمي المستجد حول مصر في ليبيا والسودان وسورية والخلافات مع تركيا، إلى ضرورة أن تعود مصر لتلعب دوراً ريادياً طبيعياً في المنطقة، ومن المحتمل أن يجد الساسة المصريون أن معاهدة السلام المصرية – “الإسرائيلية” تقيّد مصر وهذا من الممكن أن يشكّل عائقاً في إيجاد الحلول لتلك المشكلات المتفاقمة.
  • لا يوجد بنية أيديولوجية حقيقية أو مشكلات تاريخية كبيرة تقف وراء المستوى المنخفض للعلاقات المصرية – الإيرانية، وحتى أن بعض خطوات التقارب الرمزية بين البلدين تثير قلقاً لدى الإدارة الأمريكية و الحكومة “الإسرائيلية”، فمثلاً قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بدعوة نظيره الإيراني حسن روحاني لحضور مراسم تقلده الرئاسة في مصر في حزيران/ يونيو 2014، كما أن الأفكار القومية العربية ما زالت تؤثر على طريقة تفكير شريحة كبيرة من المثقفين المصريين تجاه إيران باعتبارها حضارة قديمة ذات تاريخ عريق.

في الحقيقة يبدو أن السبب العميق للخوف المزمن الأمريكي- “الإسرائيلي” من مصر رغم مرور أربعين عاماً على توقيع معاهدة “السلام”، ربما ينبع من حقيقة إدراكهم أنّ حضارةً عريقة وموغلة في القِدَم كالحضارة المصرية سيكون من الصّعوبة احتواؤها في إطار تلك المعاهدة إلى أجلٍ غير مسمّى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + خمسة =