الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

بيئة تمكينية- مؤسسات فاعلة- أفراد منتجة

رضا النحاس

لاشك أن الحصول على مجتمع مترابط متكامل يحتاج إلى رأب التصدعات الناتجة عن الأزمات وسد الفجوات المجتمعية ذات الانعكاسات السلبية المدمرة للأجيال، وربما تكون أفضل الطرق لذلك هو العمل على تنمية القدرات الذاتية وفق منهج استراتيجي علمي يحدث تحولاً مستداماً يتم صنعه بناءً على تلك القدرات أولاً ومكملاً بالثقة بالنفس وبدور تلك القدرات ثانياً.

لقد اعتادت الدول النامية على جهل وتجاهل قدراتها واستبدالها بالمعرفة الخارجية الجاهزة وفق النموذج القديم من أشكال التنمية _ أي الاستبدال بدلاً من التحول_ وبالتالي فقدت وعبر عقود من الزمن المقدرة على التطوير المستدام وتحقيق الاكتفاء الذاتي والتقدم الفعال، في حين كان التحول الذي انتهجته الدول المتقدمة هو تجاوز ذلك الأداء التقليدي عبر الانتقال لبناء طرق تفكير استراتيجية ذات أبعاد جامعة من خلال خلق تنمية حقيقية على مستويات مختلفة تتمثل ب:

  1. خلق البيئة التمكينية.
  2. المؤسسات الفاعلة.
  3. أفراد المجتمع.

فيما يلي شرح لتلك المستويات:

  1. البيئة التّمكينية: إن وجود الأنظمة الوطنية ذات الطابع السياسي المؤسساتي المبتكر يُعَدُّ من الضرورات المؤكّدة للعمل في بيئة ذات مشكلات ومخاطر متنوعة، وهذا يعني أنَّ الأنظمة الوطنية هي التي تعمل على خلق الإرادة والأدوات التّمكينية وبالاعتماد على الذات بالدرجة الأولى لإنجاز المستحيل بطرق ابتكارية منهجية ذات استراتيجية تنموية واضحة تبحث في وضع برامج للاستفادة من الأخطاء والدروس الماضية وتعزيز العلاقات والمعايير الأخلاقية والقانونية على المستويات المختلفة، فقد تمكَّنت الهند على سبيل المثال – على الرغم من تنوعها العرقي والدّيني الهائل وبالرغم أيضاً من الأزمات اللاحقة التي عانت منها- من أن تصبح إحدى القوى والاقتصاديات الناشئة الهامة على الصعيد الدولي.
  2. المؤسسات الفاعلة: أكد الباحث كريس أرجيرس عند حديثه عن أبعاد النظرية التنظيمية والتعلّم أنه كلما كانت المؤسسات جيدة في التعلم كلما كانت قادرة على الأرجح على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها وبالتالي كانت أكثر قدرة على الابتكار، ولكن عند حدوث الخطأ دون العثور على حلول تبدأ البيروقراطية بالظهور للتخفيف من الفشل.

إن أحد المعايير الحيوية لتقييم الفاعلية في أداء المؤسسات هو قياس المدى الذي تستطيع من خلاله تلك المؤسسات اكتساب المقدرة على التأثير على الأفراد وإلهامهم وتحفيزهم ليس من موقع السلطة فرضاً، ولكن تلك المقدرة تتجلى باكتشاف من لديهم روح المبادرة والإصرار في سبيل الإصلاح والتنمية وتجاوز الأزمات، فعلى سبيل المثال لقد كانت تجربة تشيلي -ذاك البلد ذي الطبيعة الجغرافية الصعبة والذي يعتبر من البلاد ذات النشاط الزلزالي المرتفع – مثيرةً للإعجاب، عندما سجّلت أكبر انخفاض جذري للفقر في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، عبر الاستفادة من طرح العديد من المبادرات المبتكرة لتحقيق إصلاحات جذرية بالأراضي الصالحة للزراعة بالإضافة إلى نمو الأسواق الزراعية المحلية وبالتالي تم تقليل نسبة الفقر في المناطق الريفية من 76% عام 1980 إلى 23% عام 1985.

3.الأفراد: إن عملية اكتشاف الأفراد لتحقيق الاستفادة الكاملة من طاقاتهم وإمكاناتهم هي إحدى الخطوات الإصلاحية التي تبدأ عندما يتم إدراك التغيير الكبير في دور المربي والتكيف التدريجي للانتقال من العملية التعليمية التقليدية إلى عملية البحث والابتكار، فالإنسان لا يملك كل الإجابات والمعرفة والعلوم أصبحت أكثر اتساعاً في ظل الثّورة الرقمية. هذا التّغيير التي تمثلة التكنولوجيا وتدفعه بسرعه يتخطّى في بعض الأحيان القدرة على استيعابها ويشكّل خطراً قد يهدّد في بعض الظروف بُنى وأسس بعض المؤسسات ويكوّن تحدياً استثنائياً أمام صانعي القرار والسياسات،  مما يفسّر الحاجة إلى سياسات تقييم القدرات وتوجيه المعرفة في سبيل الابتكار الإيجابي وبناء قاعدة علمية تكنولوجية تعمق العلم والمعرفة في وجدان الفرد والمجتمع وتدفع بمقدراته في سبيل الحفاظ على المصالح والقيم المصيرية الوطنية إذ أثبتت تجارب الأمم أنه لا يمكن حفظ تلك المصالح والقيم في حال كانت نسبة التقدير المؤسساتي والمجتمعي للعلم  في حدودها الدنيا.

بناءً على ما سبق، يمكن القول أن بناء وتنمية قدرات الدولة لا يتعلق فقط بالقوانين والأنظمة والعمليات والمعرفة والمهارات، وإنما بالسلوك والمواقف أيضاً، وجميع ذلك يحتاج إلى بناء استراتيجيات هيكلية ذات طبقات متعددة ولكنها مترابطة وتعمل في إطار من الانسجام ووضوح الرؤية، ومن البديهي أن مثل هذا الأمر لا يمكن تحقيقه بسهولة فعلى سبيل المثال لقد تعرّض النجاح الباهر لتيمور الشرقية بعد الاستقلال عام1999 في بناء الأساسيات لدولة فاعلة وإصدار التّشريعات الهامة ووضع النظم والإجراءات وتدريب الموظفين، للفشل بعد أعمال العنف والإرهاب التي حصلت في أزمة 2006، ومن هنا يتضح أن المكاسب السّريعة لا ينبغي لها أن تلغي أو تستبدل عملية تنمية القدرات الذاتية المستدامة المستندة على بناء الاستراتيجيات الفعّالة لتحقيق هذا الغرض والتي يُعَدُّ من أسسها وضرورياتها الحيوية هو إعادة الاعتبار لمكانة العلم في المجتمع وتغيير الأسس المعتادة لعمليات تصنيف العلوم من خلال قياس مدى أهميتها لتحقيق التطور خاصةً في دول العالم الثالث، فربما لا يكون من الصحيح استثمار كل أو أغلب الطاقات المبدعة أو ذات الإمكانيات العالية في الفروع الطبية على الرغم من أهميتها، وإنما ربما يكون من الحكمة توجيه جزء من تلك الطاقات نحو العلوم الاستراتيجية والتقنية التي ينبغي أن يكون لها مكان الصدارة من حيث ترتيب سلم الأولويات كون تلك العلوم والطاقات هي القادرة على حماية المصالح والقيم الوطنية لأي دولة من الدول سواء على المدى القصير والمتوسط والبعيد، مثل تلك الاستراتيجية تندرج في إطار استبدال أولوية الاهتمام بالفروع ذات التأثير المادي الفردي الآني بالفروع ذات التأثير الاستراتيجي المادي الجمعي والذي ستكون آثاره إيجابية على كل المجتمع وليس على فئات أو أفراد محددة فحسب.  

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 20 =