الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

حيثيات العلاقة الأمريكية- السعودية



ياسر صقور

تمر العلاقات الأمريكية- السعودية في الوقت الراهن بفترة ممتازة من تعميق التحالف الاستراتيجي التاريخي بين البلدين، إذ بعد فتور تلك العلاقات في عهد الرئيس أوباما يبدو أن تلك العلاقات عادت لتعود إلى الأسس التقليدية التي كانت تحكم العلاقة ين الدولتين، ولكن المعطى المميز لتلك العلاقات في عهد إدارة ترامب هو اضطرار الحكومة السعودية لتنفيذ بعض النشاطات الغير تقليدية على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، ويمكن في هذا الإطار إبراز العديد من الأمثلة حول تلك النشاطات:

  • قامت المملكة السعودية وبناءً على طلب الإدارة الأمريكية بزيادة المعروض من النفط في السوق الدولية مما أدى إلى انخفاض الإيرادات الحكومية، وهذا ما انعكس سلباً على الأوضاع المعيشية للمواطنين في المملكة حيث تم خفض الإنفاق والإعانات بشكل أكبر، وهذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى تحديات تتعلق بالقدرة على تنفيذ أهداف برنامج رؤية عام 2030 الخاص بالإصلاح والتطوير الاقتصادي والاجتماعي.
  • في نفس المجال السابق رفضت الحكومة الأمريكية الاستجابة للمطلب السعودي المتعلق بتجنب إغراق الأسواق النفطية العالمية بالنفط الصخري الأمريكي.
  • تجري في المملكة حالياً وبناءً على استشارات أمريكية، عمليات تغيير هيكلي تتعلق بشكل أساسي بدور المؤسسة الدينية داخلها والعمل على الانفتاح الاجتماعي بشكلٍ عام، ولكن اللافت أن تلك التغييرات تحدث بوتيرة انتقالية سريعة غير مدروسة ربما تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي على المدى الطويل.
  • قامت السعودية وبشكل مخالف لنمط سياستها المحافظة بدعم الجماعات التكفيرية المتطرفة بهدف إسقاط حكومة الرئيس بشار الأسد، حيث كان من الواضح أن هذا التوجه يهدد على المدى البعيد استقرار النظام السعودي نفسه، فقد كان من المعروف تاريخياً أن المملكة كانت من أنصار “تثبيت الوضع الراهن” فهي على سبيل المثال وقفت ضد التوجهات القومية للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وضد الثورة الإسلامية في إيران، كما أنها وقفت أيضاً ضد التغيير في كل من تونس و مصر وعملت قدر الإمكان على بقاء الأوضاع هناك على حالها، ومن هذا المنطلق يمكن فهم تقديمها اللجوء السياسي للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، و الاستمرار في تقديم الدعم السياسي للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك حتى اللحظات الأخيرة.
  • فيما يخص المسألة السورية أيضاً، أظهرت السعودية رغبةً أكبر في إنشاء مناطق “آمنة” للاجئين السوريين وإرسال قوات خاصة إلى سورية، وهذا يتماشى مع أجندة الرئيس ترامب (أمريكا أولاً) الرامية إلى حث حلفاء الولايات المتحدة على تحمل الجزء الأكبر من الأعباء في إطار تحقيق أهداف السياسات الأمنية التي تحقق المصالح الحيوية لواشنطن.
  • إقليمياً أيضاً، قدمت السعودية مبادرة لحل الأزمة اليمنية، ولكنها وبشكل مستغرب قامت لاحقاً بشن حملة عسكرية على اليمن في شهر آذار/ مارس 2015 بقصد إعادة “الشرعية” وفق مفهومها الخاص إلى البلاد، وهي ما زالت حتى الآن رغم المدة الزمنية الطويلة عاجزةً عن تحقيق تلك الأهداف، ومن نافل القول أنه كان ولا يزال لتلك الحرب انعكاساتها المزعزعة للاستقرار لمنظومة الأمن الإقليمي في منطقة الخليج والجزيرة العربية عموماً.
  • ما زالت السياسات السعودية تتعامل مع الرئيس ترامب كرئيسٍ جديرٍ بالثقة، رغم تصريحاته المتكررة التي تهدد من وقتٍ لآخر هيبة الحكم السعودي، حيث يمكن ملاحظة وصف ولي العهد السعودي الرئيس ترامب :”بأنه صديق حقيقي للمسلمين وسيخدم العالم المسلم بطريقة لا يمكن تصورها”، رغم أن هذا الأخير لا يتوقف على سبيل المثال عن استخدام مصطلح ” الإرهاب الإسلامي المتطرف”، في إساءة واضحة لمشاعر الدول الإسلامية عموماً وبلاد الحرمين بشكلٍ خاص.
  • تفرض الحكومة السعودية قيوداً صارمة على الهجرة إليها ضد مواطني بعض الدول الإسلامية كالصومال والسودان على سبيل المثال، في تشابهٍ ملحوظ مع قوانين الهجرة الأمريكية الأخيرة التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب.
  • تشتري السعودية كميات هائلة من المعدات العسكرية الأمريكية وغير الأمريكية عالية المستوى، لكنها تفتقد إلى القدرة على استيعابها و تشغيلها، حيث يشير تقرير حديث صادر عن المعهد الدولي لأبحاث السلام الدولي “SIPRI” أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مستورد للأسلحة في العالم بين عامي 2014 و2018 حيث زادت نسبة مشتريات الرياض العسكرية بنسبة 192% بالمقارنة بين عامي 2009 و 2013.

الخاتمة والاستنتاج :

من خلال ما تقدم يمكن الاستنتاج أن الإدارة الأمريكية الحالية تدفع بالمملكة السعودية للعمل بسياسات لا تصب في مصلحة الأمن والاستقرار سواء على المستويات الداخلية والإقليمية، وغالباً ما تكون تلك السياسات لا صلة لها أبداً بأمن السعودية أو سياستها المحلية واستقرارها الاجتماعي بشكلٍ عام، ولا تتورع تلك الإدارة عن استخدام أساليب الضغط والإكراه بدرجات ومستويات مختلفة بحسب ما تقتضيه المصلحة الأمريكية وربما يكون قانون “العدالة ضد الإرهاب- جاستا” الذي يسمح للمدعين الأمريكيين باتخاذ إجراءات قانونية ضد المملكة أو مسؤوليها بسبب دورهم المفترض في أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أحد الأمثلة العملية على تلك الأساليب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − تسعة =