الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

ماذا بعد المنطقة الآمنة ؟

د.نوار ملحم

تمّ الإعلان مؤخراً عن اتفاق تركي- أميركي بخصوص إنشاء منطقة “آمنة” في الشمال السوري، رغم بعض الخلافات المتعلقة بمدى عمق تلك المنطقة وفي ظل غياب موقف واضح لقيادات “قسد” المتعلق أساساً بالآلية التي سيُنفَذ من خلالها هذا الاتفاق، كما أنه من حيث الدلالة الرمزية لُوحِظ عدم وجود فاعل للأطراف الأمنية والعسكرية المرتبطة بقوات سورية الديمقراطية في المفاوضات التي أدت لهذا الاتفاق بما يوحي بأن تلك المنطقة سوف لن يكون للقيادات الكردية أي دور سياسي أو أمني أو عسكري فيها.

لقد كان واضحاً وبالتحديد منذ تحرير مدينة حلب من الجماعات التكفيرية، أن الأهداف التركية الجديدة في سورية تتركز على منطقة الشمال السوري عموماً بعد أن وجدت استحالة تحقيق هدفها الكبير في بداية الأزمة والمتمثل بضم سورية بكاملها إلى الفلك التركي، وهذا ما صرَّح عنه الرئيس أردوغان عندما أدرك أن الأزمة السورية ذات أبعاد إقليمية ودولية عميقة الأثر لا تستطيع تركيا بمفردها الاستفراد بمفاتيحها، ولكن للأسف يمكن القول أن هذا الإدراك كان متأخراً وينمُّ عن أخطاء كارثية في التقدير.

  • الأهداف التركية بعيدة المدى في شرق الفرات وشمال سورية عموماً:

هناك بالطبع أهدافاً محددة لتركيا في مناطق الشمال السوري وهي تختلف بطبيعة الحال من حيث درجة الأهمية والأولوية والتأثير على السياسات الإقليمية:

  • الهدف الأوّل هو المتعلق برؤية تركيا لحل مشكلة التّهديدات من القوى الانفصالية الكردية السورية والتي يمكن أن تهدّد استقرار الدّاخل التركي، في الحقيقة يشكّل هذا الأمر نقطة التقاء بين قيادات الجيش التركي والقيادة السياسية التي يُعَدُّ أحد رموزها المهمين في هذا المرحلة حزب الحركة القومية المتشدد، فمنذ البداية كان من الجلّي أنّ الهدف التركي القادم لعمليات الاجتياح سيكون في شرق الفرات وليس في إدلب على سبيل المثال، حيث كانت الحشود التركية تتركَّز في المناطق المحاذية لشرق الفرات بالإضافة لمدينة منبج، بينما كان الانتشار التركي في إدلب على شكل نقاط للمراقبة الغاية منها هي إعاقة تقدّم الجيش السوري لأطول فترة ممكنة في ضوء اتفاقات سوتشي، أكثر منه محاولة سيطرة فعلية على إدلب سيّما أن أغلب الفصائل الإرهابية المتطرفة في إدلب هي مقرّبة من أنقرة بشكل أو بآخر بمعنى أنها تقوم بالمطلوب ولا داعي لوجود القوات التركية بشكل مباشر.
  • الهدف الثاني والمتعلق بالأول هو العمل على حل المشكلة الكردية في تركيا عن طريق التواجد على الأراضي السورية بشكلٍ مباشر عبر اتباع سياسة تقوم بالدرجة الأولى على التغيير الديموغرافي المتدرج والمدروس في المناطق ذات الغالبية الكردية في سورية بمعنى العمل على تكرار سيناريو عفرين لجهة الاجتياح وتهجير السكان واستبداله بعناصر سكانية مختلفة وإن كان الوضع حالياً غير مناسب لتغيير ديموغرافي جذري فيمكن العمل على الأقل على وضع تلك المكونات تحت الوصاية التركية بمعنى تجريدها من أي عناصر قوة سياسية أو أمنية يمكنها الاستناد إليها في المستقبل، ومن المعروف أن الدول لا تقدم على مثل تلك السياسات إلا إذا كانت تفكّر في وضع حلول جذرية طويلة الأمد من وجهة نظرها، فمثل تلك السياسات هي غالباً تغييرات مستدامة سيكون من الصعوبة إجراء تعديلات عليها إلا بنزاعات وحروب أخرى، والأزمات والحروب العالمية تؤكد هذا المفهوم.

من وجهة نظر الحكومة التركية الحالية يمكن العمل على طرد أو التحكم المرحلي بأي مكون لا يتماشى مع الأهداف التركية وبالتالي العمل على إنشاء حاجز ديموغرافي موالٍ يفصل بين سورية وتركيا يشكل حلاً بعيد المدى لإشكاليات القضية الكردية في تركيا ويضعف كثيراً من موقف أية قوى انفصالية كردية في الداخل التركي.

  • أيضاً احد الأهداف المهمة التي تسعى إليها أنقرة هو السيطرة على أكبر قدر ممكن في هذه المرحلة من الأراضي السورية سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر ليكون لها صوت وازن في مفاوضات الحل السياسي المنشود.
  • يبقى الموضوع الاقتصادي حاضراً في منظومة الأهداف التركية باعتبار أن تركيا هي من الدول شحيحة الموارد وهي تنفق سنوياً حوالي 30 مليار دولار على استيراد الطاقة، وبالتالي يمكن أن يساعدها التمدد في الشمال الشرقي لسورية على استثمار جزء من الثروات النفطية في تلك المناطق.

طبعاً من وجهة النظر التركية تمثل السيطرة سواء المباشرة أو غير المباشرة على مناطق في الشمال السوري وبغض النظر عن الأسلوب الذي تمت به، نجاحاً للاستراتيجية التركية تجاه الأزمة السورية ولكن رغم ذلك يمكن القول أن ما تحققه أنقرة يُعتبَر هزيلاً إذا ما قورن بحجم الأهداف التي كان أردوغان يصرّح عنها في بداية الأزمة السورية، وحتى إنّ ما حققه وما يريد تحقيقه لا يخلُ من المخاطر المتعددة والتي يمكن أن تنعكس على استقرار تركيا نفسها، وربما يكون سوء التقدير الأساسي الذي وقعت فيه السياسات التركية هو وضع أهداف لا تتناسب مع واقع القدرات الداخلية بالنسبة لتركيا، في ضوء أيديولوجية تركز على القضايا التاريخية المتعلقة بالدولة العثمانية الغابرة بشكل أساسي ومثل تلك الأيديولوجية في الحقيقة تُعَدُّ أحد نقاط الضعف المهمة في التفكير التركي للعديد من الأسباب التي يمكن التنويه إليها:

  • لقد كانت مقومات القوة الإمبراطورية متوافرة بالنسبة للدولة العثمانية في ذلك الوقت بمعنى أن تكون تلك الدولة أحد القوى العظمى في العالم، حيث كان لديها على سبيل المثال أحدث الأسلحة في ذلك الزمان والأهم من ذلك أنها كانت قادرة على التصنيع والإنتاج الذاتي ناهيك بالطبع عن القوة البشرية المعتبرة، أما تركيا اليوم وبالرغم من القوة الاقتصادية الناتجة بشكل أساسي عن الشراكة مع الغرب والاتحاد الأوروبي بشكلٍ خاص وبالرغم أيضاً من امتلاكها لجيش قوي هو الثاني في حلف الناتو، فلا يمكن القول أن تركيا في هذا الوضع أصبحت أحد القوى العظمى العالمية التي يمكنها استعادة دور الدولة العثمانية فمثل تلك الأطروحات لن تكون قابلة للتحقق، فمقومات القوة العظمى العالمية في هذا العصر مختلفة عن زمن الدولة العثمانية فالقوة التقنية عالية المستوى بالإضافة للقدرة على التصنيع الثقيل المتطور هي عناصر غير متوافرة أو موجودة بشكلٍ محدود في تركيا في الوقت الحالي، وبالتأكيد لا يمكن المقارنة مثلاً بين القوة العسكرية والاقتصادية لكل من واشنطن وموسكو وبكين وبرلين… وبين قوة أنقرة في تلك المجالات، فشروط دور الدولة العظمى هي حالياً غير ظاهرة في بنية الدولة التركية، وبالتالي سيكون من الخطأ أن يعطي القائد السياسي انطباعاً سواءً لشعبه أو لشعوب المنطقة بأنه قادر على لعب أو استرجاع مثل ذلك الدور، حتى ولو حقّق بعض الإنجازات من وجهة نظره فهي لم تكن لتتحقق لولا موافقة الدول العظمى….
  • إنّ الأساس الداخلي الذي قامت عليه الدولة العثمانية في السابق كان أساساً متيناً صلباً من حيث التّماسك السكاني سواء من حيث شكل النظام السّياسي أو بنية العناصر المؤيدة والواقعة تحت حكم السلطان في ذلك الوقت، أما اليوم فالأساس الذي من المفترض أن يستند إليه أردوغان لتحقيق الطموحات الإقليمية والعالمية هو أساس غير متماسك عموماً فالدولة التركية الحديثة تحتوي على العديد من نقاط الضعف التي تهدد الاستقرار من وقتٍ لآخر كالمشكلة الكردية على سبيل المثال، والارتباط الاقتصادي بالغرب والتنوع العرقي والطائفي الكبير بالإضافة للخلافات السياسية بين جماعات القوى والنفوذ، وبالطبع مثل هذا الأساس الهش لا يمكن الاستناد إليه قبل حل تلك المشكلات وتحقيق قاعدة استقرار يمكن الانطلاق بعدها لتحقيق الأهداف الإقليمية والدولية.
  • الشيء الهام أيضاً والذي يثبت محدودية القدرة التركية على تحقيق الأهداف الإمبراطورية يتمثل في الخطأ في تشخيص أولويات التهديد على مستوى المنطقة وآليات التعامل معها، فمن الواضح أن أردوغان وبشكلٍ مفاجئ أصبح يعتقد أن سورية بقيادتها السياسية الحالية هي العائق الأساسي أمام طموحاته الإمبراطورية بناءً على اعتباراتٍ متعددة، ولكن الحقيقة ليست كذلك فلو استطاع أردوغان فرضاً إسقاط القيادة السياسية السورية، كيف كان سيتصرف في الخطوة المقبلة عندما سيكون بمواجهة مباشرة مع “إسرائيل” ، هل كان من المتوقع أن تسمح له القوى العظمى في العالم أن يعبث بأمن “إسرائيل” وأن يكون له اليد العليا على حساب الدور “الإسرائيلي” في المنطقة ؟!….بالتأكيد لا فالمساومات التي نجح فيها أردوغان حالياً في السيطرة على أجزاء من الأراضي السورية و بموافقة من الدول العظمى في العالم سوف لن تكون مسموحة بأي شكلٍ من الأشكال عندما يتعلق الأمر “بإسرائيل”، في مثل تلك الحالات ماذا كان سيفعل أردوغان….هل كان المشروع الإمبراطوري سيتوقف عند حدود سورية ؟!….

في واقع الأمر، تطرح التساؤلات السابقة إشكاليات متعلقة بماهية الفهم التركي لأولويات الأمن الإقليمي في المنطقة، ومدى مصداقية الأطروحات المتعلقة بتحقيق السلام والاستقرار سواءً في تركيا أو المنطقة عموماً.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =