الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

 نموذج لإعادة بناء الوعي السوري

  د.نوار ملحم، فادي ميده                     

في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية مهمة افتتح الرئيس بشار الأسد في العاصمة السورية دمشق “مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف”، وتعد تلك الخطوة من الخطوات الجوهرية ليس لتشكيل مستقبل سورية فحسب وإنما كمرحلة هامة لإعادة بناء الأسس الفكرية الحضارية في المنطقة العربية والإسلامية بشكلٍ عام، ولفهم الأهمية الحيوية لمثل هذه المشاريع يمكن توضيح بعض المعطيات الأساسية المتعلقة بهذا الموضوع :

  • لعل من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الأزمة السورية هو ضرورة العمل على إعادة تبلور وعي جديد على المستوى الشعبي في البلاد، عنوانه العريض هو إعادة البناء ولكن على أسس الاعتدال والتسامح والقدرة على استيعاب الجميع.
  • لقد كانت سورية ربما أكثر الدول العربية والإسلامية التي تعرضت لظاهرة الإرهاب الدولي إذ تشير الإحصاءات على سبيل المثال إلى وجود ما يقارب ال12 ألف إرهابي يحملون جنسية بعض الدول الأوروبية خاصةً بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا وإسبانيا، ومع أخذ الواقع الدولي بعين الاعتبار الذي لم ولن يأخذ على ما يبدو خطوات جدية في منع مثل هذا التدفق الكبير للإرهابيين أو المساهمة الفعلية في منع انتشار هذه الأفكار، كان على الدول المستهدفة بهذه الأعمال أن تكون لها المبادرة وأن تتعاون مع كل الجهود الصادقة في هذا المجال، والدولة السورية كانت قد قررت أن يكون لها السبق في هذا المضمار وبدأت بتبني صيغة لعمل مؤسساتي وفكري ولا شك أن الخطوة المتمثلة في إنشاء مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف تأتي في هذا السياق.
  • إن الدولة السورية وعبر إنشاء مثل تلك المؤسسات تحاول أن تبرهن على أنها تستطيع أن تكون الوعاء الذي بإمكانه القدرة على استيعاب التدين الإسلامي المعتدل في إطار من علمانية الدولة الواعية ومدنيتها، بمعنى العمل على كل ما يمكن أن يجمع بين السوريين كونه من أحد العناصر القوة الأساسية والابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير الانقسام بينهم كونه يمثل بالمقابل أحد عوامل الضعف التي ينبغي تلافيها خاصة في مثل هذه الظروف الحساسة والمصيرية لبناء مستقبل البلاد.
  • ومما لاشك فيه أيضاً أن هذا المنطق الجامع للدولة السورية سوف يساهم في عزل الأفكار المتطرفة والإرهابية وإضعاف منطقها وقدرتها على جذب المتبنين لها في أوساط الشعب السوري وبالتالي تفريغ هذا الفكر من الحواضن الشعبية له، وهذا يمثل بحد ذاته إضعافاً منهجياً ومدروساً للنهج التكفيري المتطرف على مستوى الداخل السوري بشكل خاص، فمواجهة مثل هذا الفكر المتطرف والمدعوم مالياً بسخاء كما هو معلوم، تتطلب المزيد من الحكمة والاعتدال والقدرة على الانفتاح والمرونة، إذ على سبيل المثال لو حاولت الدولة أن تواجه مثل هذه الأفكار بعلمانية متشددة وفقاً لمنطق الفعل ورد الفعل، فحكماً ستكون النتائج عكسية بمعنى مزيد من التطرف ومزيد من الإرهاب وبالتالي مزيد من الضعف على مستوى بنية الدولة بشكل عام.
  • تبني الدولة السورية أيضاً للأسلوب الذي يؤمن بأن محاصرة الجذور الفكرية للإرهاب لابد أن تتم في إطار من العمل الجماعي بين الدول والمؤسسات سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي ولكن بشرط أن تكون صادقة في هذا التوجه، أيضاً يمثل تبني مثل هذا الأسلوب انعكاساً للرؤية الواعية والواقعية للدولة السورية ومؤسساتها الدينية المختلفة، ولعلّ إعطاء البعد الدولي لمؤسسة “مركز الشام الإسلامي لمواجهة التطرف” تأتي لتؤكد على تلك الرؤية للدولة السورية، كما أنها تمثل في ذات الوقت دعوةً لدول الإقليم بشكل خاص للعمل على إنشاء مثل تلك المؤسسات والتعاون بشكل وثيق وصادق لمواجهة الأفكار المتطرفة سيما أن التنظيمات الإرهابية والحاملة لمثل هذه الأفكار لم تخفِ أن هدفها هو نشر معتقداتها وتوجهاتها ليس في المنطقة العربية والإسلامية فحسب وإنما على مستوى العالم ككل، وبالتالي تمثل الإجراءات السورية في مواجهة تلك التنظيمات وما تحمله من أفكار وسلوكيات رافداً مهماً وحيوياً لحماية القيم الإنسانية بشكل عام.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 5 =