الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

هل اكتمل عصر الجنون؟!

د.نوار ملحم

من خلال دراسة أدبيات الحرب العالمية الثانية، سيلاحظ القارئ أن التحضيرات الفعلية لتلك الحرب كانت قد بدأت مع نمو الأفكار اليمينية المتطرفة وترويجها المدروس بين السكان المحليين وبالتَّحديد في أجزاء من القارة الأوروبية آنذاك،

واليوم ومع انتخاب بوريس جونسون كزعيم لحزب المحافظين ليصبح تلقائياً رئيساً للحكومة البريطانية، بدأت تظهر في الأفق مجموعة من التساؤلات والتكهنات حول الطريق الذي ستسير عليه السّياسات الدولية عموماً خاصةً إذا ما تم ربط هذا الحدث مع قضية وصول شخص كدونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية منذ عامين تقريباً، ولعلَّ أهم تلك التساؤلات هو ذاك المتعلق بالأسباب والكيفية التي سمحت فيها الدولة العميقة في كل من واشنطن ولندن بوصول مثل هذه الشخصيات إلى الواجهة العلنية في كليهما، وأيضاً هناك تساؤلات تطرح حول ماهية وأسباب صعود الأفكار والأحزاب اليمينية في عدة دول أوروبية وازنة (حزب البديل من أجل ألمانيا، حزب التجمع الوطني الفرنسي، الأحزاب القومية المتشددة في أوكرانيا….)…؟!

كتقدير أولي، يمكن القول أن وصول هذا النموذج من الشخصيات إلى الحكم لا يبدو مصادفةً بل هو أمر مدروس، وربما تكون الرسالة التي تريد أن توجهها تلك الدول للمجتمع الدولي عموماً بأن التوجه الحالي لها إن كان على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الدولي هو مزيد من التشدد والقابلية لتصعيد الأوضاع والأزمات بل واختلاق المزيد منها على المستوى العالمي عموماً، وربما يقول قائل أنه يمكن أن يأتي رئيس من الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأميركية القادمة أو ربما يأتي رئيس وزراء من الحزب العمالي إلى بريطانيا في المستقبل وسوف يمكن تغيير مسار الأمور والعودة إلى المؤسسات العالمية والطبيعة الليبرالية التي طبعت النموذج الغربي للحكم، وربما يكون هذا التقدير صحيحاً فيما لو كانت الإجراءات التي تقوم بها تلك الحكومات المتشددة قابلة للعكس والعودة إلى الوراء، فعلى سبيل المثال يمكن التكهن أن جونسون سوف يقوم بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولو بدون اتفاق، وهذا الإجراء بالتأكيد لن يكون قابلاً للعكس بحكم الظروف الموضوعية فيما لو استلم كوربين رئاسة الحكومة البريطانية في المستقبل، ومثل هذا الإجراء البريطاني صحيح أنه ربما لن يؤدي إلى انهيار دراماتيكي لمنظومة الاتحاد الأوروبي، ولكن بالتأكيد هذه المنظومة لن تكون قابلة للتطور والتوسع كما في السابق وعلى الأغلب أتها ستدخل في مسار الانحدار التدريجي.

وإذا ما تم تطبيق القاعدة السابقة على تصرفات إدارة ترامب، يمكن التنبؤ أيضاً أنه في حال جاءت إدارة ديمقراطية أو جمهورية ولكن أقل تشدداً في المستقبل سوف لن تستطيع وأيضاً بحكم الظروف الموضوعية أن تعكس أو تؤثر في التغييرات الجذرية العميقة التي قامت بها تلك الإدارة حتى الآن، إن كان على مستوى الداخل الأميركي أو على صعيد منظومة العلاقات والمؤسسات الدولية عموماً فالعقوبات التجارية واسعة النطاق سيما ضد الصين والخروج من الاتفاق النووي الإيراني والعودة إلى منطق الحمائية التجارية في كسرٍ لأهم أركان الليبرالية الغربية والنظام الاقتصادي العالمي عموماً، هي إجراءات لن يكون بالمقدور التراجع عنها بسهولة بل على الأغلب أنها ستزداد عمقاً وتوسعاً في المراحل القادمة، باختصار ما بعد ترامب وجونسون لن يكون كما قبلهما.

وبالعودة إلى الصفات والسلوكيات الشخصية لكل من ترامب وجونسون على سبيل المثال، يمكن الملاحظة أنها تعكس في مدلولاتها كما هو واضح سلوكيات غير عقلانية تكاد تصل إلى المرحلة الهستريائية التمثيلية في بعض المحطات، وهي تشير من الناحية السياسية الرمزية إلى الاستعداد لتجاوز كل اللباقات والأدبيات السياسية من حيث الشكل، كما الاستعداد لتجاوز كل القيم والحدود السياسية المألوفة من حيث المضمون، وبالتالي الاستعداد لتصعيد متعدد الأبعاد والاتجاهات على كل الجبهات، والسؤال المطروح على القيادات السياسية في العالمين العربي والإسلامي يتعلق بماهية الطريقة التي يمكن التعامل معها بعقلانية مع تيار “الجنون” المستجد في العلاقات الدولية الذي بدأته واشنطن وها هي لندن تلتحق به وربما تستكمله باريس وبرلين في المستقبل؟

بالتأكيد، الطريقة المثلى للتعامل مع هذه الأوضاع ليس الاستسلام كما تفعل بعض الدول فليس من العقلانية في شيء الاستسلام للرجل المجنون، بل ربما تكون الطريقة والاستراتيجية الأمثل والأكثر تحقيقاً لمصالح الحكومات والشعوب هي أيضاً الجنون لكنّه الجنون المدروس.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 13 =