الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

أثر وجود الولايات المتحدة في شرق الفرات على مصالح الشعب السوري

محمود الصالح

تحتفظ الولايات المتحدة – بالرغم من قرار الرئيس الأمريكي الأخير بالانسحاب من سورية- بوجود هام من الناحية الاستراتيجية في مناطق شرق الفرات وقاعدة التنف، فهذا الوجود لا يقتصر على الحضور العسكري المباشر بل يتعدى ذلك إلى نشاط دبلوماسي وأمني واقتصادي مكثف في تلك المناطق.

في مثل هذه الحالات سيكون لهذا الوجود العديد من الأهداف التي تصب في خانة الهدف الكبير المتمثل في إطالة أمد الأزمة السورية وبالتالي معاناة الشعب السوري لأطول فترة ممكنة، حيث يمكن إجمال تلك الأهداف وفق النقاط الآتية:

  • تريد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث المبدأ فرض بعض الحقائق على الأرض التي ستكون من المسلّمات من وجهة نظرها عند عقد المفاوضات حول الحل السياسي النهائي في سورية، فهي تريد الوصول بتلك المناطق إلى وضع مشابه لحالة إقليم كردستان العراق، ولذا تعمل على عدة محاور من خلال عرقلة أية محاولة للحوار بين الحكومة السورية و الممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية الكردية على الأرض، كما أن المستشارين الأميركيين يدفعون السلطات الكردية إلى مزيد من الخطوات التي تكرّس الانفصال عن دمشق على مستويات عدَّة، ففي هذا الإطار عمدت تلك السلطات إلى :(إلغاء الاعتراف بشهادات التعليم الأساسي والثانوي الصادرة عن الحكومة السورية وفرض منهاج خاص باللغة الكردية، قام أفراد تابعين “لقوات سورية الديمقراطية” بقتل  11 جندياً وإصابة آخرين من الجنود السوريين المسؤولين عن حماية المطار بمدينة القامشلي في شهر أيلول من العام الفائت …)، الهدف الأمريكي من كل تلك الخطوات هو محاولة فرض نموذج الحكم الاتحادي الفيدرالي على سورية في مرحلة ما بعد الأزمة، بهدف تشكيل إقليم ضاغط على الحكومة المركزية في دمشق يكون بمثابة المنصّة التي يمكن من خلالها العمل بشكل تدريجي على إسقاط حكومة الرئيس بشار الأسد في المستقبل ، وهذا ما يفسّر قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن “الخطر الأكبر على وحدة سورية وسيادتها يأتي من الشرق حيث تتواجد القوات الأمريكية”، مع العلم أن مساحة تلك المنطقة حوالي 28 ألف كم2 أي ما يعادل بشكل تقريبي ثلاثة أضعاف مساحة لبنان.
  • من المعروف أن المناطق التي تسيطر عليها “قسد” والقوات الأمريكية تحتوي على أهم وأغنى الاحتياطات النفطية والغازية السورية (على سبيل المثال ينتج حقل غاز كونيكو شرقي دير الزور الذي تسيطر عليه تلك القوات ثلاثة ملايين متر مكعب من الغاز يومياً الذي يستخدم 90% منه في توليد الكهرباء، كما أنتجت محافظة دير الزور وفقاً لبيانات عام 2009 – العام الأخير الذي تتوافر فيه أرقام سنوية – بحسب موقع Syria Report  35% من النفط السوري والأهم من ذلك أنها وفرت 86% من النفط الخفيف الممتاز الذي تنتجه البلاد ويسهل تكريره وبالتالي يحقق سعراً أعلى في السوق)كذلك أهم مصادر المياه (تخزن بحيرة الأسد التي تشكلت خلف سد الفرات حوالي 14.1 مليار متر مكعب من المياه العذبة الشهيرة عالمياً) والثروة الزراعية لسورية (كان يُطلَق على منطقة الجزيرة لقب سلة غذاء سورية قبل الأزمة)، وبالتالي استمرار السيطرة الأمريكية عليها سوف يعني حرمان الدولة والشعب السوريين من تلك الموارد حتى بعد انتهاء الأزمة عسكرياً (في شهر تموز/ يوليو من العام الفائت على سبيل المثال كان إنتاج القمح في مناطق الجزيرة السورية هو الأسوء في تاريخها على الإطلاق حيث وصل إلى 32 ألف طن فقط بعد أن كانت تلك المناطق تنتج أكثر من مليون طن قبل الأزمة)، ولا يخفى ما سيكون لذلك من تبعات اقتصادية سلبية خاصةً في مراحل إعادة الإعمار، ومع إضافة العقوبات الاقتصادية المفروضة أساساً على الشعب السوري وكذلك قضايا النازحين واللاجئين يصبح  معها أسلوب الضغط الاقتصادي كأحد الأساليب التي يمكن من خلالها الإبقاء على سورية بحالة من عدم الاستقرار والأزمات الاقتصادية ولاحقاً الاجتماعية المتتالية.
  • تريد الولايات المتحدة حتى في حال انسحبت من سورية أن تترك بؤراً من الصراعات العرقية والإثنية طويلة الأمد بين المكونات السورية في تلك المنطقة (كردي- عربي- آىشوري…) التي يمكن أن ترهق أية حكومة سورية مستقبلية، وفي الحقيقة هذا النوع من السياسات له الكثير من النماذج فرغم خروج الجيش الأمريكي من العراق عام 2011، بقي العراق بؤرةً للتوترات الطائفية والعرقية التي تعاود الظهور من حينٍ لآخر، مانعةً العراق من الوصول إلى مرحلة الاستقرار المنشود.
  • من الأهداف الأمريكية الهامة أيضاً المتعلقة بالوجود في قاعدة التنف هو استخدام تلك القاعدة على عدة مستويات :
  • المستوى الأول: استخدام تلك القاعدة كأحد أدوات تشديد الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب السوري من خلال قطع الطريق البري الرئيسي بين طهران ودمشق الذي يمكن من خلاله توفير الدعم للشعب والحكومة في مجال المشتقات النفطية على سبيل المثال.
  • المستوى الثاني: يحمل بعداً إنسانياً من خلال احتجاز آلاف المدنيين السوريين في مخيم الركبان، إذ تشير الإحصاءات إلى وجود حوالي ستين ألف مدني في المخيم توفي منهم 37 من الشيوخ والأطفال الذين يعانون من الأمراض المزمنة وتقول التقديرات أن هناك 1500 عائلة مهددة بالوفاة بسبب ظروف الجوع والمرض المحيطة بالمخيم.
  • المستوى الثالث: يتعلق بالمزايا الاستراتيجية لموقع قاعدة التنف على مثلث الحدود السورية – العراقية – الأردنية.
  • تعمل الولايات المتحدة من خلال نشر قواعدها العسكرية في الشرق السوري على إحداث نوع من التوازن الاستراتيجي مع القواعد الروسية في الغرب، لتحقيق مبدأ توازن القوى الدولية والإقليمية في سورية، مع العلم أن التوازن الاستراتيجي في المنطقة مازال مختلاً لصالح الجيش الأمريكي التي تنتشر قواعده في كافة دول الخليج وتركيا و جورجيا وأفغانستان وغيرها من الدول.
  • الدعم الكبير الذي تقدمه القوات الأمريكية “لقوات سورية الديمقراطية” وهي تعلم أن هذا الأمر يعدُّ استفزازاً خطيراً لحليفتها في الناتو، يمكن أن يكون الهدف منه هو نقل المشكلة التركية- الكردية لمراحل متقدمة أكثر دموية وعنفاً، وهذا سيكون له نتائجه المزعزعة للاستقرار الإقليمي بشكل عام.

انطلاقاً من المعطيات السابقة يتضح أن أهداف الوجود الأمريكي في سورية لا يمكن إلا أن تكون متعارضة بشكل تام مع مصالح  الحكومة والشعب السوريين، وبالتالي سيكون من الحكمة العمل على إنهاء كافة تأثيرات ومفاعيل هذا الوجود.

ملاحظة : الجزيرة السورية: منطقة في الشمال الشرقي لسورية، وتشمل كامل محافظة الحسكة وأجزاء من محافظتي الرقة ودير الزور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × ثلاثة =