الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

حول السُّلوك الإقليمي لأوكرانيا والمملكة العربية السعودية

د.نوار ملحم

منذ ما يقارب الخمس سنوات تقريباً بدأت الأزمة الأوكرانية في أعقاب انقلاب 21 شباط/ فبراير عام 2014 عندما أنهت المعارضة المدعومة من الغرب حكم الرئيس “فيكتور يانكوفيتش” المقرَّب من روسيا، وبعدها بدأت الحكومة الأوكرانية الجديدة التي يقوده المتشددون القوميون باتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية لتكريس القطيعة مع موسكو، ولكن في الحقيقة مثل تلك الخطوات أدَّت وبطريقة دراماتيكية ليس فقط إلى تهديد منظومة الأمن الإقليمي لأوروبا وإنما أيضاً إلى تهديد الوحدة الإقليمية لأوكرانيا ذاتها، كون تلك الخطوات ذات الطابع الثقافي – الديني تستهدف وحدة وتماسك النسيج المجتمعي في أوكرانيا، فعلى سبيل المثال ألغى البرلمان الأوكراني اعتماد اللغة الروسية كلغة رسمية ثانية في البلاد مع العلم أن نصف سكان العاصمة كييف هم من النَّاطقين بالروسية وكذلك سكان مناطق شاسعة في شرق وجنوب شرق أوكرانيا يتحدثون بتلك اللغة كمناطق خاركوف، دانيتسك، لوغانسك، أوديسا وبتروفيسك، كما أصدر الرئيس الأوكراني مرسوماً بتوسيع قائمة العقوبات ضد الأفراد والشركات الروسية وتمديدها وشملت العقوبات عدداً من وسائل الإعلام الروسية، بما في ذلك المؤسسة الحكومية الفيدرالية الموحدة “روسيا سيغودنيا”، كما قامت تلك الحكومة بإلغاء الاحتفال بعيد النصر على الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، وربما تكون الخطوة الأوكرانية الأخيرة المتمثلة بانفصال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بشكل نهائي عن كنيسة موسكو إحدى أهم تجليات النزعة الأوكرانية المتشددة كونها أقحمت المسائل الدينية الحسّاسة في إطار الخلاف السياسي مع موسكو بطريقة غير مبرَّرة وغير مفهومة، أما في الأطر الأمنية والعسكرية فمن الواضح أن السّياسة الأوكرانية تتماشى مع سياسات حلف الناتو رغم عدم الانضمام إليه بشكل رسمي، فتلك السّياسات هي حكماً تهدّد الأمن القومي لروسيا بشكل مباشر.


من خلال المقارنة بين سلوك كل من الحكومتين الأوكرانية والسعودية تجاه القضايا الإقليمية في المحيط، سنجد تشابهاً في نمط التفكير والسلوك اللاعقلاني لهما، فكلاهما تتبنيان استراتيجية عدائية غير مفهومة لدولتين مجاورتين  تعتبران من الدول العظمى سواء على مستوى الإقليم أو العالم


بالانتقال إلى منطقة غرب آسيا، يبدو أن سياسة المملكة العربية السعودية تجاه محيطها الإقليمي تحاكي إلى حد ما السلوك الأوكراني تجاه دولة عظمى كروسيا، فمن الملاحظ أن المملكة تُوتّرُ العلاقات مع إيران الجارة الإقليمية العظمى بدون سبب ومبرر مقنع لاتباع مثل تلك السياسات، فإذا تم الأخذ بعين الاعتبار أن روسيا قامت بخطوات انتقامية ضد أوكرانيا بضم شبه جزيرة القرم وتقديم المساعدة للحركات الانفصالية في الشرق الأوكراني، نجد أن هذا المعطى الهام والمؤثر غير موجود بالنسبة للسياسة الإيرانية تجاه السعودية، فإيران لم تتخذ خطوات انتقامية رداً على الدعم السعودي لحرب صدام حسين مع إيران في ثمانينات القرن الماضي أو رداً على التفجيرات الإرهابية في الدّاخل الإيراني  كما أنها لم تدعم أية حركات انفصالية أو تمرد في الداخل السعودي، ولم تتدخل سواءً بشكلٍ مباشر أو غير مباشر في التوازنات الداخلية الهشَّة لحكم الأسرة السعودية أو في تركيبة السُّلطة في هذا البلد، أما التهم لها بنشر التشيع في المملكة فهي لا تستند إلى أساس واقعي يمكن الاستناد إليه كون التركيبة الديموغرافية ليس في المملكة بل في كل الدول العربية والإسلامية لم تتغير، فلو كانت تلك التهم واقعية لكانت انعكست نتائجها على الأرض وهذا ما لم يحدث، ورغم ذلك استمرَّت السعودية في اتباع سياسة هجومية عدائية تجاه إيران، فقامت بإرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين والتَّدخل بشكل عسكري مباشر في الأزمة اليمنية، بدعوى أن إيران تسعى لزعزعة الاستقرار في كلتا الدولتين الأمر الذي لم تستطع الحكومة السعودية أيضاً تقديم أي دليل عملي على واقعيته، كما سعت تلك الحكومة  بشكل مستغرب لخفض أسعار النفط على المستوى العالمي للتأثير على الاقتصاد الإيراني وصولاً إلى الترحيب بل ودعم انسحاب  الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، والأهم من ذلك هو إعادة تعريف الاستراتيجية السعودية للتهديدات المحتملة  لتصف إيران باعتبارها الخطر الرئيس على الأمن القومي للمملكة وبالتالي ينبغي التحالف مع “إسرائيل” لمواجهة هذا الخطر ولو على حساب القضية الفلسطينية برمتها !من خلال المقارنة بين سلوك كل من الحكومتين الأوكرانية والسعودية تجاه القضايا الإقليمية في المحيط، سنجد تشابهاً في نمط التفكير والسلوك اللاعقلاني لهما، فكلاهما تتبنيان استراتيجية عدائية غير مفهومة لدولتين مجاورتين  تعتبران من الدول العظمى سواء على مستوى الإقليم أو العالم وتقومان بالعديد من الخطوات المتهورة في هذا المجال،  كما أن كلا الحكومتين تطرحان منطلقاً فكرياً متشدّداً كغطاء لتلك السّياسات فالحكومة الأوكرانية تتبنى فكرة  القومية الأوكرانية اليمينية المتشددة، وفي المقابل السّعودية تتبنى النهج الوهابي المتطرف وإثارة الفتن السّنية- الشّيعية في العالمين العربي والإسلامي لتحقيق أهدافها السياسية ولو على حساب الشعب السعودي المتنوع، كما أن تلك الحكومتان تتحالفان مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تبعد عنهما آلاف الكيلومترات وليس من المضمون إن كانت الحكومة الأمريكية ستدخل معهما الحرب في حال اندلاع أي نزاع عسكري، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمد في كلا الحالتين الأوكرانية والسعودية على تحريض حكومتي البلدين لاتخاذ مزيد من الخطوات المتطرفة والمتشددة تجاه كل من روسيا وإيران عن طريق المساعدات العسكرية وغير العسكرية، فعلى سبيل المثال تعتبر أوكرانيا الدولة الثالثة من حيث حجم المساعدات الأمريكية بعد كل من “إسرائيل” ومصر على التوالي. في الحقيقة آثار مثل تلك السياسات الخاطئة بدأت تظهر في كلا الدولتين فعلى سبيل المثال فقدت كييف 9 ملايين طن من الغاز من أصل 24 مليون طن بعد إعلان “دانيتسك” لاستقلالها وهي المعروفة بوفرة مناجمها التي كانت تزود كييف بكميات كبيرة من الفحم، كما خسرت العملة الوطنية “الغريفن” 300% من قيمتها بسبب الأزمة مع روسيا، أما بالنسبة للسعودية فالوضع لا يختلف كثيراً فقد أعلنت وزارة المالية السعودية في شهر آب /أغسطس من عام 2018 ارتفاع الدين العام (الداخلي والخارجي) بنسبة فاقت 21% ليصل إلى 737 مليار ريال (143.2 مليار دولار) بنهاية النصف الأول من ذلك العام، ووفقاً لبيانات البنك المركزي السعودي في نهاية 2015 بلغ معدَّل البطالة في صفوف السعوديين ما نسبته 11.7%، على الرغم من استحداث أكثر من 237 ألف وظيفة في عام 2014 وحده وهي تعتبر من النسب المرتفعة في بلد ذي نمط استهلاكي كالمملكة السعودية، بالإضافة إلى تخفيض الإنفاق الحكومي وفرض المزيد من الضرائب سواء على المواطنين أو المقيمين في المملكة، بالطبع مثل تلك النتائج ساهم فيها تراجع المستوى العالمي لأسعار النفط و التَّكلفة المرتفعة للتدخلات الإقليمية للمملكة في اليمن بخاصة، كما اهتزّت صورتها في العالم الإسلامي بشكل عام بسبب التصرفات السابقة إضافةً لحصارها لشعب دولة قطر. بالمحصلة، حتى الآن يبدو أن النّتائج السلبية لسياسات الحكومتين الأوكرانية والسعودية تتركز في المجالين الاقتصادي والمعنوي، وبالطبع كان لهذه السياسات نتائج سلبية أيضاً على الاقتصادين الروسي والإيراني بطبيعة الحال، ولكن قوانين السّياسة والتاريخ توضّح بشكلٍ لا لبث فيه أن الطَّرف الذي يتبع سياسات غير عقلانية متطرفة لا يمكن أن تقتصر خسائره على المجال الاقتصادي بل إن تلك الخسائر ستتوسع لتشمل المجالات السياسية والأمنية و قد تصل لتهديد الوحدة الإقليمية للدولة واستقرار نظام الحكم برمته وربما تكون نتائج السياسات الإقليمية المتهورة للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين خير مثالٍ على ذلك.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + ثمانية =