الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

حول الموقف الأمريكي المستجد من قضية الجولان السوري المحتل

د. نوار ملحم

أثارت نيّة الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب الاعتراف بالسيادة “الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل العديد من ردود الأفعال الرافضة لمثل تلك الخطوة سواءً على المستوى الإقليمي أو الدولي، وصلت إلى حد التحذير من أن مثل تلك الخطوة في حال أقدمت عليها تلك الإدارة بشكل فعلي يمكن أن تؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار في المنطقة.

بالمجمل يمكن القول أن تلك الخطوة تعبّر عن تراجع استراتيجي أمريكي متزايد على مستوى قدرة التأثير في قضية الصراع العربي – “الإسرائيلي” بشكل عام، بالنظر إلى الأسباب التالية :

اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة “الإسرائيلية” على الجولان المحتل وقبلها على مدينة القدس المحتلة، هذا يعني في جوهره أن واشنطن لم يعد بإمكانها أن تلعب الدور التاريخي كوسيط في عملية “التسوية” بين الدول العربية و “إسرائيل”، وبالتالي اعترافاً أمريكياً بطريقة غير مباشرة بفشل منطق المفاوضات بين الطرفين، وهذا يمثل تحوّلاً في نمط الفهم الأمريكي لطبيعة ذلك الصراع من الناحية الاستراتيجية، وهو يُعتبَر أيضاً أحد نماذج التراجع في قدرة التأثير والفعل الأمريكي عموماً على مستوى المنطقة .

إنْ كان الهدف الأمريكي من تلك الخطوة هو تقديم الدعم لنتنياهو في الانتخابات المقبلة بعد فضائح الفساد التي أحاطت به، فهذا يدلُّ أيضاً  على مستوى الضعف الاستراتيجي الذي وصلت إليه السلطة السياسية في “إسرائيل” وأزمة القيادة التي تعصف بها، حيث أصبح من الصعوبة بالنسبة لها أن تستبدل نتنياهو بشخصية أخرى، وأصبحت الولايات المتحدة مضطرة إلى أن تقدم على خطوات ذات مدلول استراتيجي طويل الأمد كالاعتراف بالسيادة “الإسرائيلية” على هضبة الجولان، لكي تدعم خطوةً تكتيكية متعلقة بالانتخابات “الإسرائيلية” وهذا بحد ذاته يمثل قصوراً استراتيجياً بالنسبة “لإسرائيل” والدور الأمريكي على حد سواء، مع الإشارة إلى أن حوادث التاريخ تحفل بالأمثلة حول قيام رؤساء الوزراء في “إسرائيل” بالحروب ضد الدول العربية من أجل الفوز في الانتخابات، وهذا بحد ذاته يُعتبر دليلاً واضحاً عن مدى هشاشة النظام السياسي في “إسرائيل”، وعن الانحدار والانحراف الأخلاقي الكبير الموجود في تركيبة هذا النظام.

بما أنَّ المستهدف بالخطوة السابقة هي الدولة السورية بالدرجة الأولى، فهو يدل على توصل الإدارة الأمريكية للقناعة بأن سورية لن تخرج من محور المقاومة وأن الرهانات “الإسرائيلية” على الدور الروسي فيها لم تكن في محلّها، وهذا أيضاً يمثل تراجعاً أمريكياً – “إسرائيلياً” في مستوى القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتوقعة بسبب الأزمة السورية، وهو يطرح في نفس الوقت تحدياً على سورية خصوصاً ومحور المقاومة عموماً حول طبيعة الخطوات الاستراتيجية التي ينبغي القيام بها للرد على النتائج بعيدة المدى للخطوة الأمريكية في حال تنفيذها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + ثلاثة =