الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

ما بين مبادرة “السلام” العربية 2002 وورشة البحرين 2019

فادي ميده

هذا ما عبّر عنه تماماً نتنياهو خلال زيارته لإحدى الدول العربية عندما قال “اعتقدنا دائماً أنه لو حللنا مشكلة الفلسطينيين فستُفتح الأبواب أمام السلام مع العالم العربي، لكن ربما صحيح أيضاً أنه لو انفتحنا على العالم العربي وطبّعنا العلاقات معه، فهذا سيؤدي إلى إمكانية السلام مع الفلسطينيين”

عندما تم طرح مبادرة “السلام” العربية في بيروت آذار/ مارس 2002، كانت في جوهرها تتضمن قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، وعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، إضافة إلى الانسحاب “الإسرائيلي” من جميع الأراضي العربية المحتلة، مقابل دخول الدول العربية في علاقات طبيعية مع “إسرائيل”، كانت حينها تلك الدول تلتزم بموقف موحد إزاء القضية الفلسطينية وتُجّرم التطبيع مع “إسرائيل”، ولكن  مع مرور الأعوام وصولاً إلى 2018، بدأت تظهر إلى العلن في البداية تسريبات تتحدث عن لقاءات سرية بين مسؤولين خليجيين و”إسرائيليين”، وهذا ما أكد عليه رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو الذي قال بأن “علاقات بعض الدول العربية ب”إسرائيل” الآن هي في الظل، وأن اليوم الذي سيخرج فيه هذا التعاون إلى النور ليس ببعيد”.

السؤال المطروح هنا ما الذي دفع تلك الدول لتقوم بهذه الخطوات، مع الإشارة إلى أن “إسرائيل” لم تنفذ بنداً واحداً من بنود مبادرة “السلام” العربية، ولكن في المقابل أعطتها بعض الدول العربية ما هو أثمن من التطبيع؟ لماذا اختل الميزان بهذا الشكل ؟

بالتأكيد هناك مجموعة من الأسباب الداخلية والإقليمية والدولية المتداخلة فيما بينها لمثل هذا السّلوك:

بالنسبة للأسباب الداخلية، يمكن القول أن الدول العربية وبالأخص منها الخليجية بدأت تشعر أن أولويات الأمن والاقتصاد هي المسيطرة على اهتمامات السكان المحليين، وتراجعت معها نسبة الاهتمام بقضايا السياسة الخارجية وهذا ربما ما أطلق يد أولئك الحكام للقيام بالخطوات التطبيعية مع “إسرائيل”، ومن جهة أخرى تعتبر هذه النتيجة طبيعية فعلى سبيل المثال لم تشهد تلك الدول بشكلٍ عام تظاهرات أو احتجاجات شعبية ضد تلك الخطوات والسبب ليس الشعوب بالتأكيد، وإنما السبب هو في أن تلك الأنظمة المسيطرة على الحكم لم تربي الشعب على ثقافة معاداة “إسرائيل” وأهمية القضية الفلسطينية، فحتى في السعودية كان من المفترض منطقياً أن تكون ردود الفعل الشعبية مختلفة تماماً عندما تم الاعتراف الأمريكي بالقدس الشريف “عاصمةً موحدة لإسرائيل”، وذلك بسبب مكانتها الدينية لعموم المسلمين كون مدينة القدس هي أحد أضلاع الثّالوث المقدّس مع كل من مدينتي مكّة المكرمة والمدينة المنورة المقدستين.

أما على المستوى الإقليمي، فمن الواضح أن أحداث الربيع العربي جعلت الأنظمة الخليجية وغيرها بعد ما رأت ما حدث في دول مثل تونس، مصر، ليبيا، اليمن وسوريا، حساسةً للغاية تجاه أي متغير إقليمي أو أي ضغط يمكن أن تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية عليهم في أي مجال من المجالات، فهم لا يريدون تكرار تجربة الربيع العربي في دولهم وبالتالي كان من الضروري الحفاظ على الدعم الخارجي الذي يأتي بشكل أساسي من واشنطن ولو على حساب المصالح الوطنية بعيدة ومتوسطة الأمد المتعلقة جوهرياً بمنظومة الأمن الإقليمي والاستقرار المجتمعي المستدام.

على الصعيد الدولي، لقد وصل نمط العلاقات الدولية الحالية إلى وضع من الصعوبة فيه اتخاذ موقف الحياد في أي قضية من القضايا ولا حتى الحلول الوسط مما ضيّق هامش المناورة للعديد من الدول ومنها بطبيعة الحال الدول العربية، فحتى سلطنة عُمان المعروفة مثلاً بمواقفها المتوازنة كان سلطانها أول المستقبلين لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو كما أن انعقاد ورشة البحرين الاقتصادية الأخيرة وبهذا الشكل العلني والتمهيد “لصفقة القرن” تُعتبَر من تجليّات الوضع الدولي والإقليمي المستجد، فالعالم الآن يمر بمرحلة انتقالية حسّاسة تحتم على جميع الدول تحديد خياراتها بوضوح، ولا شك أن سيطرة المحافظين اليمينيين المتشدّدين على الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية قد ساهم أيضاً في تضييق الخيارات الاستراتيجية للدول، فحتى الإدارة الأمريكية الحالية التي تُعَدُّ الأكثر تشدّداً وقرباً من “إسرائيل” في تاريخ الإدارات الأمريكية قد سارعت هي الأخرى إلى حسم خياراتها مبكّراً عبر الاعتراف بالقدس عاصمةً موحدة “لإسرائيل” وتبعية الجولان السوري المحتل لها، وسحب التمويل عن منظمة الأونروا وغيرها من الخطوات المتطرفة في هذا المجال وانسحبت تلك التوجهات حتى على المستوى الدولي كما هو معروف.

ربما أيضاً قد تكون الأسباب السابقة قد ساهمت في دفع “إسرائيل” للتطبيع مع أي دولة عربية أو إسلامية تفتح لها المجال، كونها باتت تعتقد أنه يمكن أن تساهم تلك الخطوات بالضغط على الفلسطينيين ودفعهم للتخلي عن حقوقهم الأساسية، وتمرير ما يُسمَّى “بصفقة القرن”، وهذا ما عبّر عنه تماماً رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو خلال زيارته لإحدى الدول العربية عندما قال :  “اعتقدنا دائماً أنه لو حللنا مشكلة الفلسطينيين فستُفتح الأبواب أمام السلام مع العالم العربي، لكن ربما صحيح أيضاً أنه لو انفتحنا على العالم العربي وطبّعنا العلاقات معه، فهذا سيؤدي إلى إمكانية السلام مع الفلسطينيين”، ولكن أيضاً يمكن الإشارة إلى أنّ نتنياهو نفسه يقرُّ بصعوبة ذلك فهناك تحدي من نوعٍ آخر عبَّر عنه بوضوح عندما قال:” أن الزعماء العرب ليسوا عائقاً أمام العلاقات العربية مع “إسرائيل” لكن الشعوب العربية والرأي العام السّائد بالشارع العربي هو العائق الأساس أمام ذلك”، وبالفعل هذا ما عبّر عنه الشعبان المصري والأردني سابقاً، وستعبّر عنه بقية الشعوب العربية والإسلامية لاحقاً.

    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − تسعة =