الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

الاستثمار في طرق التفكير

رضا النحاس

 عملت مراكز الدراسات والأبحاث وغرف التفكير على إيجاد الطرق المبتكرة الناجعة لتحقيق أحد مهماتها المتمثلة في إحداث الإختراق الاستراتيجي للدول المستهدفة، وقد ارتكزت أساليب العمل بشكل رئيسي على الاستفادة من الطفرة المعلوماتية والتطور الهائل في علوم الاتصال والإعلام وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متسارع بالإضافة إلى الدروس المستفادة من الحرب الباردة، حيث تم الانتقال من المنهج السياسي التقليدي المعتمد على استخدام القوة واستعمال الأساليب الفيزيائية الخشنة التي تستهدف الحكومات والقيادات والبنى التحتية دون التركيز على الوعي والبيئة الفكرية، إلى أساليب جديدة وحديثة تركز بشكل أساسي على عامل الوعي ونمط التفكير للطرف المستهدف، ويمكن في هذا الإطار طرح المشروعين الآتيين اللذان يمثلان المفهوم السّابق الركيزة الأساسية لعملهما:

  1. مشروع القرن الواحد والعشرينCentury statcrft st 21 :

هو قرن صناعة الدول، الذي رُمّز بمشروع “ثورة الدّيمقراطيات الرّقمية” وهو يهدف إلى إحداث تغييرات في البنى السياسية للدول المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية من خلال توظيف التكنولوجيا الاتصالية والإعلامية عبر تشكيل قوى سياسية مرنة شبابية في ساحة الخصم، وهنا يمكن ملاحظة الأهمية التي توليها تلك الاستراتيجيات لعنصر الشباب في تشكيل السياسات.

  1. المشروع الثاني تحت عنوان Diverting The Redicalization Track :

الذي يعني العمل على إعادة “توجيه مضمار التطرف” والاتصال بالبيئة السياسية للجماعات والنظم المتطرفة والمعادية وفتح حوارات معها عبر جهة ثالثة أو من خلال واجهات مدنية، والسَّعي فيما بعد لتوجيه زخمها وامتصاص عنفها وتحويل حراكها في إطار العملية الدّيمقراطية بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية.

كتطبيق عملي على المشاريع السابقة يمكن طرح الأمثلة الآتية المتعلقة بدور الجامعات في تلك المجالات:

  • نفَّذت الجامعة الأمريكية في بيروت LAU برنامج تحت عنوان “نموذج الأمم المتحدة” الذي يهدف إلى “نشر ثقافة السلام” بين طلاب المدارس، صناعة القيادات المستقبلية، حل النزاعات بالطرق السلمية والتقمص العاطفي لدور الآخر، ولكن كان اللافت أن هذا البرنامج يقدّم منحاً سخية لمن نجحوا في “التّغلب على الأفكار التي يحملها أهلهم ومجتمعهم”، وعلى الأغلب أنّ الهدف الحقيقي لمثل تلك البرامج يتمحور حول هذا المفهوم.
  • أيضاً وكنتيجة نهائية تقول د.ليلى بيومي المهتمة بمتابعة شؤون الجامعة الأمريكية في القاهرة :”لا يخفى على متابع راصد أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لم تخرّج لمصر طوال التسعين عاماً طبيباً واحداً أو مهندساً واحداً ولا عالماً واحداً في أي فرع من فروع العلوم الطبيعية، ولا مخترعاً ولا مبتكراً…..بل ركّزت على )البيزنس( والسياسة والدبلوماسية، في محاولة للسّيطرة على حكومات العالم العربي أو ترويضها”.

في الحقيقة لقد أدركت “إسرائيل” الأبعاد الهامة لمثل تلك المشاريع والأساليب كونها تُعد من الطرق غير المكلفة نسبيّاً وتعتمد على تحقيق الهدف من خلال الاستثمار في طرق تفكير العنصر المقابل، وهذا ما يوضّحه قول لميخائيل ميلشتاين الباحث في مركز دراسات “الأمن القومي الإسرائيلي”: “إنّ تفوق “إسرائيل” يحتاج إلى معركة صبورة استنزافية مديدة السنين لا ترتكز فقط على كسر القوة العسكرية لقوى المقاومة، وإنما تسعى أيضاً لتقويض المراكز التي تتبلور فيها الأفكار ومنها تنغرس في وعي الجمهور وفي هذا الإطار يبرز دور وسائل الاعلام والجامعات والمراكز الدينية،….”.

 إذاً من الواضح كنتيجة عامة أن التقنيات السابقة تعتمد على التأثير في رؤى وميول الطرف المقابل وإضعاف القيم لإحداث تغيير في النَّموذج السُّلوكي الذي ينتج عنه تدريجياً نمط من الشخصيات الغير سويّة مع الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 2 =