الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

كيف تفكّر الدول…؟؟

د.شاهر الشاهر

كثيراً ما وقعت الدراسات المتخصصة بخطأ الجمع بين مصطلحي “الجغرافية السياسية” و”الجيوبولتيك”… وعرفتهما على أنهما يمثلان علماً واحداً، لكن في الحقيقة هناك فرق بين العلمين، فإذا كانت الجغرافية السياسية تحدّد السياسة الداخلية للدولة، فإن الجيوبوليتيك يتجه للتأثير في سياسة الدولة الخارجية، فالجغرافية السياسية هي الأصل والجيوبوليتيك هو الفرع.

الجغرافية السياسية لا تتناول سلطات الدولة الثلاث ولا شكل الحكومات (ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية) ولا قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان فهذا من اختصاص علم السياسة، إنما تتناول قضايا الكتل والأحلاف الدولية، وشكل النظام الدولي القائم عبر دراسة المنظمات الدولية والتي من المفترض أنها تعمل على حفظ الأمن والسلام الدوليين، ولا تنظر الجغرافية السياسية إلى إقليم الدولة كقطعة من الأرض، بل تتعامل معه على أنه وطن بكل ما يحمل هذا المصطلح من معنى، ويتدخل الجيوبولتيك لرسم المكانة اللائقة بمستقبل هذا الوطن، بعد أن تكون الجغرافية السياسية قد تناولت قضايا الهوية والمواطنة وجغرافية الانتخابات…إلخ

بينما يعمل الجيوبولتيك على توظيف الجغرافية السياسية للدولة بما يخدم مصالحها خارج حدودها ويقوي نفوذها ومركزها إقليمياً ودولياً، إن الجغرافية السياسية تدرس مقوّمات القوة (الصلبة وربما الناعمة)، بينما يعتنق الجيوبوليتيك فلسفة القوة (القوة الذكية)، لذا يقال أن الجيوبولتيك هو الابن الشرعي للجغرافية السياسية، فبينما تعنى الجغرافية السياسية بتصنيف الدول بناءً على ما فيها من مقومات قوة ( الثروات- السكان- الاقتصاد.. الخ)، يهتم الجيوبولتيك بالتنبؤ بمستقبل الدولة على أساس تلك المقومات.

الجغرافية السياسية تعترف بالحدود القائمة بين الدول، بينما الجيوبوليتيك يؤمن بحق الدولة بالتوسع والتمدد متى ما سنحت لها الفرصة على حد تعبير راتزل، فهي تسعى للتوسع والنمو باحتلال المناطق ذات القيمة الاقتصادية أو الموقع الاستراتيجي الهام كالسهول، الأودية، الأنهار، المضائق البحرية…الخ.، فالدولة من وجهة نظر الجيوبولتيك تشبه الكائن الحي الذي يجب أن ينمو ويتمدد أو سيضمر ويزول، وترسم الجغرافية السياسية صورة الدولة في الماضي والحاضر، بينما يسعى الجيوبوليتيك لرسم صورة الدولة في المستقبل.

لقد كان القرن الماضي قرن الصراعات الدولية بامتياز، فكان هو القرن الذي ازدهر فيه علم الجيوبولتيك، وكثرت الدراسات والتنظيرات في هذا العلم، وفي مرحلة الحرب الباردة على وجه الخصوص أصبح ” الجيوبولتيك” مصطلحاً متداولاً رائجاً في وسائل الاعلام، ويعود الفضل في ذلك إلى ثعلب الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر، فبعد أن كان مفهوم الجيوبولتيك محصوراً بين فئة النخبة من السياسيين والمتخصصين، انتقل للتداول الشعبي وأصبحت تُوصَف به المفاوضات والمباحثات الدولية التي كانت تجري في “دهاليز” السياسة العالمية، ويعزو الباحثون هذا الشيوع إلى تكرار ورود مصطلح الجيوبوليتيك على لسان وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر سواء في مذكراته أو في المناقشات التي تناولت أفكاره في وسائل الإعلام وفي المقالات الصحفية الجادة حول القضايا العالمية الكبرى.

تبقى فرضية أنّ: “سياسة الدولة تعتمد على جغرافيتها”، فرضية صحيحة وقائمة رغم التطور العلمي والعولمة وتغير المفاهيم، وتبقى الجغرافية السياسية والجيوبوليتيك علمان مترابطان لكنهما غير متطابقين، فالدول تفكر جيوبوليتيكياً متأثرةً بجغرافيتها السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + تسعة عشر =