الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019

هكذا تربي “إسرائيل” أطفالها

فادي ميده، رضا النحاس

  لتحميل المادة بصيغة PDF

عملت الحركة الصهيونية منذ وقتٍ طويل على صياغة منهاج تربوي متكامل من أجل استغلاله في تأسيس “دولة” يهودية صهيونية لأجيالهم المتعاقبة، فكانت المهمة الأساسية تكوين الذاكرة الجماعية للشتات اليهودي من خلال خطة تأسيسية متكاملة، تقوم على تسخير الدين اليهودي بهدف إعادة صياغة التاريخ بطريقة تساعدهم في الحاضر لتحقيق غاياتهم المأمولة في المستقبل، حتى أنه من الثابت أن “إسرائيل” قد بدأت التأسيس لنفسها “أدبياً” قبل التأسيس الفعلي بعشرات السنين فيما كان يُعرَف “بالأدب الصهيوني”.

إن عدم وجود روابط قومية تجمع اليهود دفعهم إلى العمل لخلق الجذور الروحية والفكرية التي يمكن أن تساهم على خلق تلك الروابط، فبدأ المخططون الاستراتيجيون الصهاينة بالعمل على ذلك من خلال استغلال التلمود المحرف وإعادة إحياء اللغة العبرية باعتبارها لغة الدين اليهودي إضافةً إلى كونها أداة لخلق ” اتحاد المجتمع الإسرائيلي” لكي يُكونا الأساس في توحيد المصير، وبالتالي أصبح ” قانون التعليم “الإسرائيلي” يضع الخطوط الرئيسة لتعلُّق السّكان بمفهوم “الشعب اليهودي” كما قال بن غوريون[1]، فلهذا الجهاز الدور الأكبر في تأهيل النشئ القادم لإحياء الدولة المصطنعة وقد اعتمدوا في سياساتهم على النفس الطويل واغتنام الفرص لتربية وإذكاء الحقد على الأديان الأخرى وزرع الغرور القومي والتصنيف العنصري للعالم عموماً والعرب خصوصاً، فعملوا على تربية الأطفال عبر تلقينهم العبارات المقتبسة من كتاب التوراة المحرف والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: “لأنك أنت شعبٌ مقدَّس للرب، إياك اختار الرب لتكون له أخص من جميع الشعوب على وجه الأرض”، “وأنكم شعب الله المختار”[2] ليزرعوا تلك الأفكار في نفوس وأذهان الأطفال عبر عدة برامج تمثلت حسب رأي الدكتور مارك روزن الذي يعمل في مركز كوهين للدراسات اليهودية ببرامج التعليم ما قبل الولادة، سلة هدايا شالوم بيبي، التربية التنموية ، إنشاء مراكز تربية الأطفال، معززين بذلك تلك الادعاءات.من الملاحظ أيضاً أن سلسة كتب التاريخ التربوية “الإسرائيلية” تلاعبت بذلك التاريخ وقسَّمته ما بين سري وعلني، وذلك في إطار بناء الشخصية الصهيونية، وبشكلٍ أصبحت معه المناهج المدرسية عارية عن الحقائق العلمية ومستغرقة بالميثولوجيا، وقد اخترعت كتب التاريخ أساطير ورموز أُخذَت من الذاكرة الجمعية اليهودية،

وساهمت في إيجاد صورة للماضي وتدوينها والتعامل معها كحقيقة واقعة تلبي احتياجات الحاضر، فهناك قصص حياة الجيتو ذات الأثر الكبير في تنشئة اليهود الاجتماعية (قصص التعذيب في إسبانيا، محاكم التفتيش، وقصة المحرقة اليهودية في ألمانيا)[3] تلك القصص تنمي حس الاضطهاد في نفوس “الإسرائيليين” وبالتالي تذكية الحق في استعمال القوة لحماية أنفسهم، “فإن اليهودي هو الذي يشعر بالاضطهاد حتى لو لم يوجد من يضطهده ويشعر بأن هناك مشكلة حتى لو عاش بمفرده في جزيرة نائية”[4]، ومن خلال ذلك يتبين أن الهدف “الإسرائيلي” من تعليم التاريخ المصطنع في المناهج الدراسية هو تثبيت الحس والانتماء القومي في قلب الطالب اليهودي وتعزيز الشعور لديه بالمصير المشترك وأن تغرس في قلبه محبة الشعب اليهودي، وإضافةً إلى ذلك لابد أن يُزوَّد الطالب بفهم معمَّق تاريخي وعقائدي يظهر أحقيّة “إسرائيل” في الصراع العربي- الصهيوني ، إضافةً إلى تشجيع العمل الجماعي لاختصار الوقت وخصوصاً في حالات الحرب التي لا تنتهي بالنسبة “لإسرائيل” ، وفي الحقيقة فقد ظهر النجاح في إطار تلك الخطة  فعلى سبيل المثال كانت جميع إجابات التلاميذ اليهود لدى سؤالهم عما يخطر في بالهم عند الحديث عن القدس مجمعةً على أنه سوف يُبنى الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وأن كل سكان القدس سوف يصبحون “يهوداً متدينين” والعرب “عبيدٌ” عندهم، وقد عملت بعض الحكومات العربية على الإسهام في تثبيت هذا الواقع ، إضافةً إلى ذلك لم تتوقف العنصرية عند اليهود تجاه العرب عند ذلك الحد فحسب إنما تعدّى ذلك إلى الأعراق الأخرى من اليهود أنفسهم، فأطفال اليهود الإثيوبيين لا يشكّلون سوى 2% من التلاميذ “الإسرائيليين” ومع ذلك فهم من أكثر اليهود فقراً ومعظمهم يدرسون في مدارس يغلب عليها الطابع الإثيوبي ولا يتلقون حقهم في الدعم المناسب مما يعيق طريقهم نحو النجاح الأكاديمي.[5]

إن تعليم الأطفال “الإسرائيليين” في ما يتعلق بقضية “إسرائيل الكبرى” كان الهدف منها إعداد نفسية الطلاب لتقبل الاحتلال والتوسع، ففي كتاب الصف السادس الابتدائي في المناهج الدراسية “الإسرائيلية” نجد خريطة لدولة داوود تشمل فلسطين كلها، أجزاء من سورية، لبنان وشرق الأردن، وقد جاء تصريح الحاخام عافوديا يوسف ليبرر تلك الطريقة الإرهابية لتحقيق ذلك حين قال:”إن العرب أولاد أفاعي وأن الله ندم على خلقهم وبالتالي فمن الواجب قتلهم”[6]، وهذا الأسلوب يشبه إلى حدّ ما طريقة تنظيم “داعش” في تعليم الأطفال بأن حدود الدولة المزعومة في توسع مستمر، ولتحقيق ذلك عملوا على إنماء ثقافة الإرهاب والتعصب لدى أطفالهم، فصور أطفال “إسرائيل” في ما يُسمَّى

بيوم الشرطة الجماهيرية، التي توضح تدريب أطفال الصف الثاني الابتدائي على حمل السلاح، يبدو أنها أيضاً تشابه إلى حد بعيد صور مسلحي “داعش” عندما يقومون بتدريب الأطفال وغسل أدمغتهم لينشئوا جيلاً جديداً من المتطرفين التكفيريين.

من يطلع على المناهج المدرسية “الإسرائيلية” في جميع المراحل يجد أن التوجه العام قائم على روح العسكرة والتطوع للجيش الذي يقدم ضباطه المتقاعدين بعد تأهيلهم عبر مشروع “تسافتا” ليكونوا مدراء مدارس وقائمين على العملية التربوية كأمثال “رون فلو داني” رئيس بلدية “تل أبيب” ومدير مدرسة “جمناسيا هرتسليا”، ولعلَّ في حروب “إسرائيل” الكثيرة ما يُثبت النشأة العسكرية الإجبارية لجنودها منذ الصغر، فقد ورد في كتاب المطالعة للصف الخامس “ليس في جيشنا من يرفض الجندية وليس عندنا من يولي الأدبار في المعارك وليس عندنا من يلقي ببندقيته بجانبه ويهرب، عندنا محاربون لآخر طلقة”، ولكن أثبتت الحروب الخاسرة التي خاضتها “إسرائيل” خاصة مع حركات المقاومة في المنطقة فشلها في تكوين عقول وأذهان عناصر الجيش “الإسرائيلي”، فالقوة العسكرية يمكن أن تتطور وتتقدم ولكن الأيديولوجية الخاطئة لا تشكل مناعة اجتماعية ولا قوة عقائدية تستطيع من خلالها البقاء.

 

الخلاصة :

يمكن القول، أن عرض الأفكار والمنطلقات الصهيونية في المنزل والحضانة وعبر مستويات التعليم المختلفة لتشكل تلك الصورة النمطية المشوهة التي تريدها “إسرائيل” في مخيلة أطفالها عن جميع سكان العالم، هي في النهاية تنشئة وتربية غير سليمة تمنعهم في نهاية الأمر من الحصول على سلام شامل، ويبدو أن الصدمات التي تتلقاها “إسرائيل” تساهم في تشكيل سلوك عدواني مضطرب “لنفسية مريضة” وهذا بحد ذاته يعتبر خطراً على المجتمع وتهديداً حقيقياً لوجودها، كونه سلوك شاذ يخرج عن طبيعة الاعتدال الفطرية للجنس الإنساني بشكل عام.

السؤال المطروح هنا، إذا كانت “إسرائيل” تربي أطفالها بهذه الطريقة وتعد مناهجها بهذه الأساليب، أما كان يجدر بالدول العربية والإسلامية التي تقيم علاقات طبيعية معها، أن تطالب “إسرائيل” بتغيير تلك المناهج بعد أن عدَّلت أغلب تلك الدول مناهجها لتكون متناسبةً مع “السَّلام” والعلاقات الطبيعية معها، أم أن التطرف والكراهية يكون من طرف واحد وعلى الطرف الآخر أن يرفع له أغصان الزيتون ؟!!   

 

المراجع: 

[1] ردينا عبد المجيد، سياسات “إسرائيل” التعليمية تجاه العرب في فلسطين المحتلة، دار المأمون للنشر والتوزيع، عمّان،2012 ، ص 80.

[2] المرجع السابق، ص83.

[3]  آلان ليش، مجلة عالم الفكر، المجلد الثاني، العدد 5، الكويت، ص 106.

[4]  أحمد بهاء الدين، “إسرائيليات” ، دار الهلال، القاهرة، 1965، ص 264.

[5]  يوسي ميكلبيرج، محنة اليهود الإثيوبيين في “إسرائيل”، bbc news، 25 أيار 2015.

[6]  ندى الشقيفي، الهولوكوست حقيقتها والاستغلال الصهيوني لها، باحث للدراسات، بيروت، 2011، ص 71.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =